العرض الأخير في مدينة بلا ملاهي
من الريفولي إلى كولورادو: صالات طرابلس السينمائية في المزادات العقاريّة
عتبةُ سينما «الريفولي» كانت، رسميًا، بوابتي الأولى إلى «عالم السينما» - على الأقل هذا ما أحبّ أن أكتبه حين أريد لذاكرتي سيرةً أنيقة. أمّا النسخة غير المنقّحة فمختلفة: كنتُ في الخامسة تقريبًا، أخي في الثانية، دخلنا مع أبي وأمّي بحماسة العيد، ثم قرّر أخي، بموهبة نقدية مبكرة، أنّ العرض لا يستحقّ الصمت، فأنهى الأمسية ببكاءٍ متواصل، وخرجنا بعد ربع ساعة. أنا بدوري خرجتُ من «التجربة السينمائية» بلا تجربة تقريبًا: لا مشهد أتذكّره، لا بطل علق في ذهني، فقط ارتباك أبي وابتسامة أمّي، تلك الابتسامة التي تُقدَّم عادةً كخدمة إسعاف أوليّ للخيبات العائلية.

بعد سنوات، هُدم «الريفولي»، وصار مكانه فراغًا يمرّ الناس قربه مثلما يمرّون أمام قبرٍ بلا شاهد: يعرفون أنّ شيئًا مات هنا، لكن لا وقت لديهم لقراءة الفاتحة على الذاكرة. يومها فهمتُ أنّ حادثة «الربع ساعة» لم تكن طرفةً نعيد تدويرها في الجلسات العائليّة، بل درسًا تأسيسيًا في الثقافة المدينية على الطريقة المحلية: ندخل متحمّسين، نغادر باكرًا، ثم نسمّي ما حدث «تطوّرًا». باختصار، ما بدأ كبكاء طفل داخل قاعة، انتهى كسياسة عامة خارجها: المدينة نفسها تتقن مغادرة العرض قبل النهاية.
تجدر الإشارة إلى أن الأدبيات حول دور السينما في طرابلس واسعة نسبيًا، وقد خُصِّص للموضوع عدد من المقالات و تحقيقات والمبادرات، إضافة إلى معرض أُقيم في السنوات الماضية.
ولمن لا يعرف طرابلس، فهذه مدينة كبيرة على الساحل الشمالي اللبناني، قديمة بقدر البحر الذي يراقبها، ومتعبة بقدر الدولة التي تذكرها عند الكوارث وتنسى عنوانها في الأيام العادية. مدينة فيها فقر كثيف، وخدمات متعبة، وبنية عمرانية تتقدّم نحو الانهيار الشامل بخطوات بيروقراطية واثقة. لذلك، حين نكتب عن رأس المال المتأهّب لالتهام مبنى سينما «كولورادو» اليوم، لا نكتب عن صالة سينما فقط؛ نكتب عن طريقة إدارة مدينة: إهمال طويل وخطاب رسمي أنيق أكثر من الواقع بكثير.
وبين «الريفولي» الذي صار حفرةً محترمة و«كولورادو» الذي انتهى إلى البيع بعد عقود من الهجر، لا أرى حادثتين منفصلتين بل مونتاجًا واحدًا يُعاد عرضه بإصرارٍ إداريّ مملّ: في اللقطة الأولى يقولون «ذاكرة»، في الثانية «استثمار»، وفي الثالثة يختفي الأرشيف وتبقى اللافتة. لهذا قرأتُ مقال نانيت زيادة-ريتر، «في طرابلس، تُسدَل الستارة على سينما كولورادو: درّةٌ ضاعت في غياهب النسيان»، كما يُقرأ محضر تصفية لا مادة ثقافية. الجملة دقيقة إلى حدّ الإحراج؛ لأن «الضياع في النسيان» عندنا ليس مجازًا أدبيًا، بل آلية عمل. نهارًا تُكوى اللغة وتُعلّق لها ربطة عنق: استثمار، تأهيل، إعادة توظيف. ليلًا تتكفّل الجرافة ببقية البلاغة. وفي الصباح، يُطلب منّا أن نُصفّق للحصيلة: فراغ.
وإذا كان لا بدّ من تسمية المفارقة باسمها، فسينما «بلانيت» التجاريّة هي الاسم الأنسب لدرس السوق حين يشرح نفسه بنفسه: صالةٌ دخلت باعتبارها وجه الحداثة اللامع، وابتلعت تدريجيًا ما تبقّى من القاعات القديمة، ثم ابتلعها السوق نفسه عندما تبدّلت أرقام الجدوى.
بهذه البساطة، وبهذا العنف المهذّب: الآلة التي وعدت بتحديث المشاهدة أنهت المشاهدة الجماعية، ثم سحبت نفسها من المشهد كأن شيئًا لم يكن. لذلك، من المريح فقط، لا من الدقيق، أن نقول إن الناس «غيّروا عاداتهم». الأدقّ أن نقول إن المدينة غُيّرت عاداتها قسرًا: أُغلقت الفضاءات العامّة، وتحوّلت التجربة من جمهورٍ يتقاسم الصالة إلى أفرادٍ يتقاسمون الباقة الشهرية. لدينا شاشات أكثر من أي وقت مضى، نعم؛ لكنّ الشاشة الكبيرة صارت من الكماليات، مثل الكهرباء، مثل النقل العام، مثل فكرة أن يكون للمدينة قلبٌ نابضٌ، لا مجمّعًا تجاريًّا.
ومع كلّ إقفالٍ جديد، تتكرّر النكتة الثقيلة نفسها: يقولون إن المدينة «تتطوّر» فيما هي تتخلّص، بهدوءٍ محسوب، من كلّ ما يجعلها مدينة. الصالة لم تكن ديكورًا ثقافيًا ولا محطة تسلية عابرة؛ كانت مؤسسة مدنية صغيرة: مكانًا يدخل إليه الناس كأفراد ويصبحون داخله، ولو لساعتين، جمهورًا. هناك كان الغريب يجلس قرب الغريب بلا مقابلة تعريف، يضحكون في اللحظة نفسها، ويصمتون أمام الألم نفسه. حين خسرت طرابلس هذه الفضاءات، لم تخسر مقاعد وشاشة فقط؛ خسرت جهازًا يوميًا لإنتاج المشترك. ولهذا تحديدًا، ما يجري لا يُقرأ كخبر ثقافي منفصل، بل كجزء من المشهد الراهن نفسه: المدينة التي تُدار بالإنذار المتأخر في العمران، تُدار بالإقفال الهادئ في الثقافة؛ وفي الحالتين، النتيجة واحدة: فراغٌ أكبر، وعزلةٌ أوسع، وخطابٌ رسميّ أكثر أناقة من الواقع بكثير.
ومن هذا الفراغ بالذات يجب أن تبدأ الجملة التالية، لا أن تنتهي عنده: المسألة ليست الدفاع عن حجرٍ قديم لأننا عاطفيون، بل الدفاع عن حقٍّ مدينيّ أساسي في فضاءٍ عامّ يُنتج معنىً مشتركًا. المدينة التي تفقد صالاتها لا تفقد «الترفيه»؛ تفقد إحدى لغاتها القليلة للعيش معًا خارج الاصطفاف والعزلة. وحين تُطفأ هذه اللغة، يتقدّم بديلٌ أفقر: أفرادٌ متجاورون بلا جمهور، صورٌ كثيرة بلا مشهد جامع، وذاكرةٌ مثقوبة تُملأ كلّ مرة بمفردات جاهزة من نوع «إعادة توظيف» و«تنشيط». لذلك، إذا كان المطلوب اليوم أيّ حدّ أدنى من الجدية، فهو نقل هذا الملف من خانة الرثاء إلى خانة السياسة العامة: حماية ما تبقّى من البنية الثقافية، مساءلة بلدية ووزارية واضحة عن أسباب التآكل، وفرض منطقٍ آخر على المدينة؛ منطق يعتبر الثقافة بنيةً أساسيّة، لا فائضًا يمكن شطبه كلما ضاق دفتر الحسابات.
ما يجب قوله بدقة هو الآتي: نحن لا نتحدّث عن انهيارٍ ثقافيّ وشيك، بل عن انهيارٍ مكتمل تُدار آثاره اليوم ببرودٍ إداري. السينما في طرابلس لم تمت أمس؛ ماتت منذ عقود، وما بقي من «كولورادو» ليس جسدًا حيًّا يُحتضر بل هيكلٌ مهجور يُنقَل الآن من خانة الشاهد إلى خانة السلعة. لذلك، بيع المبنى ليس «حدثًا ثقافيًا» بقدر ما هو محضر تصفية متأخر: ختمٌ رسمي على خسارة قديمة، وإعلانٌ عملي بأن الفراغ نفسه صار سياسة.
بهذا المعنى، لا يصحّ أن نكتب عن «إنقاذ» حياة ثقافية تتداعى، لأنّها أصلًا تتنفّس على أجهزة دعم منذ زمن؛ مساحات الاجتماع العام أضيق من أن تتّسع لطرابلس بكاملها. ما يجري ليس انتقالًا من العافية إلى الأزمة، بل إدارةٌ متواصلة لما بعد الانهيار. وهذه أخطر مراحل أي خراب: حين يتوقف الخراب عن كونه صدمة، ويصير روتينًا؛ حين لا يعود السؤال «كيف نمنع الخسارة؟» بل «كيف نُحسن التكيّف معها؟»؛ حين تتحول الذاكرة إلى فائضٍ إداري قابل للشطب، ويتحوّل الحقّ الثقافي إلى بندٍ مؤجّل دائمًا بحجة الأولويات.
ومن هنا، لا يعود الكلام عن «كولورادو» نوستالجيا، ولا استعارة مريحة. هو اختبارٌ سياسي مباشر: هل نقبل أن تُدار المدينة باعتبارها مقبرةً مؤجّلة تُرتّب شواهدها الأسواق؟ أم نفرض قطيعة مع منطق يبيعنا أطلالنا بالتجزئة ثم يطلب منّا الامتنان؟ لأن الحقيقة الفجّة هي هذه: في طرابلس، لم يعد الخطر أن نفقد الحياة الثقافية؛ الخطر أن نعتاد غيابها، وأن نسمّي هذا الاعتياد واقعية.
من ثمّ ليس السؤال لماذا اختفت السينما، بل لماذا اختفى الشعور بأن للمدينة أهلٌ لا زبائن. لهذا لا أريد خاتمة رثائية أنيقة؛ أريد جملة عملية قابلة للاشتباك: توثيقٌ منظّم لذاكرة الصالات، ضغطٌ علني على البلدية والوزارات المعنية لوضع خطة حماية واستخدام ثقافي، وربط هذا الملف مباشرةً بحقّ الناس في المدينة كما نربطه بحقّهم في السكن الآمن. لأن ما يسقط في طرابلس ليس حجارةً فقط، وما ينطفئ فيها ليس شاشاتٍ فقط؛ الذي يتآكل، بصمتٍ إداريّ شديد التهذيب، هو إمكان أن نبقى «نحن» في مدينةٍ تُدفع، كل يوم، لأن تصير أقلّ من نفسها.


